سئلت ولكن ما التغيير الذي تتحدث عنه كثيرا؟
قد يفهم من التغيير تغيير الوجوه، من رئيس ووزير أول وأعضاء حكومة وحتى ولاة، ولكن ذلك غير كاف أبدا. التغيير الحقيقي هو تغيير آليات اتخاذ القرار وتغيير نظام العلاقة بين الجزائريين والسلطة وتغيير علاقة مؤسسات الدولة ببعضها وعلاقة الأجهزة بالمؤسسات وتأثيرها على القرار.
قد يكون هذا الكلام غير مفهوم ولكن يمكن تبسيطه بالقول: لا بد من تغيير النظام والخروج من الدولة السلطة إلى الدولة المؤسسات.
ولكن معلوم أن الوجود الحاكمة الآن لا تملك ثقافة أخرى غير ثقافة السلطة والتسلط غير ثقافة التبرير والنجاح بإسكات كل معارضة أو إضعافها إلى مستوى يجعلها مجرد فيروس تطعيم. وتبعا لهذا فمنطق الحكم ووجوهه هي العائق الأول الآن أمام التغيير.
إن النظام السياسي القائم على الدولة السلطة، والتي تعني هيمنة كلية للسلطة التنفيذية، وبيروقراطياتها الإدارية والأمنية، على الدولة وعلى التشريع وعلى القضاء، هو نظام لم يعد صالحا اليوم بل صار مشكلة للدولة وللمجتمع، ومشاكله مع المجتمع تزداد يوما بعد يوم بل قد تأخذ طابع الأزمة الحادة بما قد يفوق ما حدث في أكتوبر 1988.
لهذا فالتغيير صار هو الحل. ولا حل آخر ممكن من دون تغيير حقيقي.
التغيير هو الحل الأقل كلفة للبلاد. والتغيير صار ضرورة لأن الجزائر لا يمكن أن تظل بعيدة عن " حركة التاريخ" التي بدأت في المنطقة، فمهما كانت مصاعبها وحتى مساوئها فإنها أطلقت مسارا سياسيا جديدا قد تطول عملية إنضاجه بشكل كامل وقد يطول الوصول إلى ثماره ولكنه بداية أكيدة إلا للذين أعمتهم مصالحهم وقصور نظرهم وتفضيلهم التصرف على الإدارة.
التغيير هو بداية الحل وهو بداية المسار.
" الاستمرارية" التي يدعو لها أحمد أويحي تعني استمرارية العجز واستمرارية الركود واستمرارية الافلات من كل رقابة ومن كل عقاب واستمرارية نهب الثروة العامة واستمرارية هيمنة المضاربة على السوق واستمرارية هيمنة التجارة على الاقتصاد وهيمنة الفساد على كل الأدوات البيروقراطية. إن هذا الوضع يجعل النظام نفسه معمما للفساد ويجعله عاجزا عجزا مزمنا كاملا على الحركة وعلى التغيير. وتلك مشكلة حقيقية.
تغيير السلطة وتغيير آليات العمل وتغيير طبيعة العلاقة بين الجزائريين والسلطة وجعلهم طرفا حقيقيا في معادلة الحكم واتخاذ القرار وتغيير العلاقة بين السلطة التنفيذية وباقي أطراف الحياة السياسية، خاصة تمكين السلطة التشريعية من سلطات حقيقية وتمكين السلطة القضائية من استقلال حقيقي كامل عن السلطة التنفيذية ووضع آليات رقابة حقيقية على السلطة التنفيذية سواء سياسية أو قضائية أو قانونية، من خلال مجلس محاسبة مستقل وفعال.
إن وجود مقاومة للتغيير أمر عادي. ولكنه يصبح غير عادي عندما يستخدم وسائل غير ديمقراطية ويستخدم وسائل الدولة من أجل خدمة المصالح التي ترفض التغيير ويصبح مشكلة عندما يكون تصرفا سلطويا قمعيا، يمنع الصناديق من أن تعبر عن توجهات الرأي العام ويمنع بأدوات سلطوية غير سياسية، وحتى بالتحالف مع مصالح مشبوهة، على منع كل تغيير.
لقد أظهرت الانتخابات الأخيرة أن التغيير ليس لغة تفهمها السلطة ولا غاية تريدها، فالأفعال والتصرفات التي رأيناها تجاهلت مطالب الجزائريين، المعبر عنها أو الكامنة، في بناء دولة القانون ودولة المؤسسات، بل ونرى أن القوى الرافضة للتغيير والإصلاح تبدي توجهات احتكارية خطيرة بل ورأينا قيام تحالف بين أطراف الفساد البيروقراطي السياسي وأطراف المال الفاسد.
نعم لقد أضعفت نتائج الانتخابات الأخيرة مصداقية مؤسسات الدولة أكثر فأكثر وأحدثت قطيعة بينها وبين جل الجزائريين.
إن هذا التحالف خطير، لأنه احتكاري وفاسد، ولأنه لا يعير التحولات العالمية أي اهتمام ولأنه يقوم على المصالح وهو بلا عواطف ولأنه يقصي الشعب كله تقريبا. إنها مرحلة أخرى وهي أخطر مرحلة في حياة الجزائر وهي تستعد للاحتفال بالذكرى الخمسين لاستعادة السيادة الوطنية.





La décision prématurée sur les gaz non-conventionnels
