ينظر «الإسلاميون المتشددون» الى الحضارة الغربية بوصفها حضارة مسيحية. علما أنهم أول من يُلاحظ ان المجتمعات الغربية تعاني من قلة التدين. لكأنهم يتمنّون وبكل صدق، ان يعود الغرب تحت حكم الكهنوت الديني المسيحي. تخدم هذه الفكرة مبدأ تقسيم العالم الى حضارات دينية. وهي تلتقي ـ من موقع الضد ـ مع عقيدة اليمين المتطرف في أميركا وأوروبا التي تتبنى مقولة صراع الحضارات.
في المقابل، يرى اليساريون والعلمانيون ان الحضارة الغربية هي حضارة رأسمالية. وان العالم كله، بما فيه البلدان العربية والإسلامية، أصبح جزءا لا يتجزأ من المنظومة الرأسمالية العالمية التي هي حصيلة تطور تاريخي طويل شاركت في صنعه كل الأمم والشعوب. هذه النظرة التاريخية الدياليكتيكية تنفي تلقائيا فكرة صراع الحضارات وتفتح مجالا واسعا للصراع السياسي ـ الإيديولوجي بين القوى الاجتماعية والاقتصادية (المختلفة من حيث انتماءاتها الأولية، الدينية والعرقية).
فمنذ عقود طويلة تم فصل الدين عن الدولة في الغرب بحيث لم يعد بالإمكان اختزال الحضارة التي تُنسب إليه ببعدها الديني. لكن منذ بضع سنوات فقط انتقل عدد كبير من بلدان العالم (أوروبا الشرقية، أميركا اللاتينية، شرق آسيا وأفريــقيا، واليوم العالم العربي) من طور الاستبداد إلى طور الديمقراطية، بعـدما كانت تلك المجتـمعات قد أبدت مقاومة عنيفة لهذه الفـكرة باعتبارها فكرة مستوردة من الغرب أو فكرة بورجوازية.
وعلى الرغم من رفض الإسلاميين مبادئ الدولة المدنية، فقد أعلن معظم قادتهم عن استعدادهم للقبول بصيغ معدّلة منها، باستثناء قادة القوى السلفية. وهو دليل على قوة هذا المطلب السياسي وراهنيته كمدخل واقعي لحل الأزمات الخطيرة التي تعاني منها الشعوب العربية. لكن من السذاجة الاعتقاد ان بالإمكان إقامة دولة مدنية «إسلامية أو مسيحية». إنه أمر غير قابل للتحقق لانتفاء العلاقة بين الصفة والموصوف.
يقف العالم العربي اليوم أمام مرحلة جديدة من تاريخه هي خلاصة تطورين كبيرين. الأول يتمثل في نيل بعض الشعوب العربية حرياتها الأولية. والثاني يتمثل باستلام الحركات الإسلامية زمام الحكم في معظم البلدان التي تحررت شعوبها. ولا بد من التذكير في هذا المجال بأن الشرعية الثورية التي رافقت هذه التحولات ستبقى شرعية مؤقتة سارية المفعول بانتظار ما سيُسفر عنه الصراع الديمقراطي العنيف بين القوى المُشاركة في الثورة. أما الحركات الإسلامية التي رأت أن أمامها فرصة سانحة لكي تحسم معركتها الداخلية مع القوى المدنية والعلمانية، فقد مارست سياسة الدبلوماسية المرنة مع القوى العالمية النافذة خشية الطعن في شرعيتها. وهي الآن إذ تجد نفسها في منتصف الطريق لاستكمال سيطرتها، تصطدم بعوائق أساسية تحول دون نجاحها في مهمتها.
العائق الأول هو الحصول على الشرعية العالمية غير المطعون فيها. يجدر التمييز هنا بين شرعيتين. الأولى شرعية المبادئ وحقوق الإنسان التي ترعاها مواثيق دولية ويقف وراءها فكر سياسي عالمي متعدد الثقافات والحضارات في عصر التواصل الاجتماعي الحر والمباشر. وهي الشرعية التي تستند إليها حركات المقاومة. والثانية شرعية رأس المال المتوحش الذي تمثله الأنظمة الرأسمالية في الغرب. وهي أنظمة ديمقراطية في السياسة، رجعية في المجال الاجتماعي لأنها تُخفي داخل منظوماتها الاقتصادية تفاوتات طبقية غير منطقية وغير إنسانية. فضلا عن أنها تُمارس داخل بلدانها نشاطا مخابراتيا ـ بوليسيا، وفي الخارج نشاطا كولونياليا عسكريا تُسبغ عليه شرعية دولية. هذا النوع من الشرعية قابل للتأجير لمن يريد من الحكام والأحزاب والحركات السياسية، لقاء أسعار يُتفق عليها كما في عالم «البيزنس».
فأي شرعية خارجية سوف تختار الحركات الإسلامية للاستقواء به؟ هل ستختار الشرعية الإسلامية الصافية لتُقدّم الى العالم المعاصر نموذجا للحكم، جديدا من حيث التوقيت، قديما من حيث المضمون والمفاهيم؟
في كل الأحوال سيكون هذا النموذج المُستعاد من الماضي محكوما بمنافسة النموذج الغربي الحديث الذي ما انفك - رغم كل مساوئه - يجذب إليه ملايين المهاجرين، من المسلمين وغير المسلمين، الساعين وراء الرزق والحياة الحرة الكريمة، على أمل ان يُتوّج هذا السعي، عند حسن الحظ بالحصول على جنسية الدولة المُضيفة. ان الحركات الإسلامية محكومة بالبحث عن صيغ مدنية للحكم معترف بها عالميا إذا ما أرادت تقديم نموذج للدولة مختلف عن نموذج الأنظمة الاستبدادية. وغنيٌ عن التذكير ان الثورات العربية ما كانت لتنجح لو لم تكن مستندة منذ لحظاتها الأولى الى مبادئ وأفكار تحررية عالمية، وليس الى أفكار دينية او طائفية او مذهبية.
العائق الثاني الذي يقف في مواجهة الحركات الإسلامية هو عائق القومية العربية. فالرابطة الدينية التي اختارتها هذه الحركات هي رابطة عالمية كبرى يُفترض بالداعين إليها أن تكون أوطانهم ومجتمعاتهم قد قطعت بنجاح مرحلة بناء الدولة الوطنية والقومية. وهو ما توافر لدولتي إيران وتركيا، ولم يتوافر للعرب. ذلك ان العالم العربي، في سواده الأعظم، ما زال يعيش في طور ما قبل الدولة. لذا من السهل تمزيقه الى مجموعات إثنية وقبلية وعشائرية، وربطه بعجلة التبعية للقوى العالمية الكبرى. وما القفز مباشرة الى الرابطة الإسلامية دون المرور باستحقاقات بنيوية تاريخية، سوى انتحار سياسي جماعي. فالدول الحديثة ستبقى قائمة على أساس قومي، لا على أساس ديني، ما بقيت الرأسمالية علمانية الطابع والهوية. وهي مسألة ليست ثقافية او حتى سياسية، بقدر ما هي مسألة اقتصادية تتعلق بمصالح الدول وتقسيم العمل بينها في إطار النظام الرأسمالي الواحد.
لقد شكلت إيران في صراعها مع الغرب، وفي حملها لواء القضية الفلسطينية، حافزا قويا للمجتمعات العربية لكي تحقق نهضتها السياسية ـ الدينية الخاصة بها. كما شكلت تركيا في أول تجربة لها تحت حكم «الإسلام الديمقراطي»، الحافز الآخر للعرب للتطلع نحو قيام دولة كبرى للإسلام السياسي المعتدل في العالم العربي. لكن المشكلة التي تحول اليوم دون استلهام البلدان العربية أياً من التجربتين تكمن في عدم اكتمال النصاب القومي العربي في اتحاد راسخ ومستقل شكل على الدوام حلم الشعوب العربية بنخبها الثقافية وفئاتها الشعبية على حد سواء. فإذا كان التكامل الاقتصادي بين العرب وجيرانهم هو مسألة حيوية للطرفين، فإن العرب لم يتمكنوا حتى الآن من ان يستخدموا - ولو جزئيا - ثرواتهم الكبيرة في بناء اقتصاد عربي يُلبي حاجات ملايين الشباب العاطلين من العمل. في حين تبدو العلاقات السياسية اشد تعقيدا نظرا لارتباط العامل السياسي بالعامل الديني، خاصة بعد اندلاع الثورات العربية.
كيف ستتعامل الحركات الإسلامية التي وصلت الى السلطة وحصلت على اعتراف دولي لم تحلم به من قبل مرفقا بدفتر شروط من الأنظمة الرأسمالية، مع تداعيات القضية الفلسطينية؟ هل ستعتبرها جزءا من صراع ديني عالمي، ام قضية سياسية وطنية وقومية؟ وهل ستنشغل عنها لمصلحة التفرغ لقضايا دينية وفقهية داخل المجتمعات العربية؟
العائق الثالث أمام نجاح الإسلاميين هو العائق الداخلي الذي يُعتبر الأكثر حساسية. هنا ينبغي ان نشير الى ان المشكلة الرئيسية التي تعاني منها الحركات الإسلامية ليست بالدرجة الاولى مشكلة سياسية او ايديولوجية تتعلق بالبرامج والمشاريع التي تنوي هذه الحركات تطبيقها بعد وصولها الى الحكم. بل هي مشكلة بنيوية تتعلق بانغلاق الشكل التنظيمي الذي يمارس الإسلاميون من خلاله الصراع السياسي، في ما بينهم، ومع القوى الوطنية الأخرى. فهذا الإطار مرتبط بالهوية الدينية. أي بمُعطى نهائي، مُغلق ومتوارث، لا مجال فيه للاختلاف السياسي عندما تنزل الأديان والمذاهب الى الساحة وتتحوّل أصغر المعارك السياسية أو المطلبية الى فتنة طائفية أو مذهبية. فيما تبدو القوى الحزبية الأخرى، العلمانية والمدنية، قليلة الحيلة خارج هذا المشهد. هكذا يتحول الصراع السياسي الديمقراطي الى صراع أهلي بين مكونات أولية بدائية لا تصلح بصفتها تلك لبناء مجتمعات مدنية حديثة. وقد أثبتت التجربة العراقية ان خروج المحتل الاميركي من العراق لم يجعل العلاقات بين المكونات الدينية (والقومية) للشعب العراقي أفضل مما كانت في ظل الاحتلال. كما أثبتت التجربة اللبنانية ان خروج المحتل الإسرائيلي من لبنان لم يجعل المجتمع اللبناني أكثر تماسكا على الصعيدين الطائفي والمذهبي.
ان الانقسام الإسلامي الراهن على الساحة العربية هو انقسام سياسي ـ ديني بسبب التداخل الحاصل بين الدين والسياسة. فإذا كانت الأخيرة تحتمل إبرام تسويات وفقا لموازين القوى بين اللاعبين السياسيين، فإن الانقسام الديني لا حل له. لذا تبدو المرجعيات الدينية في الطوائف الإسلامية الكبرى عاجزة تماما عن إيقاف هذه الموجة العارمة من التنافس والتعصب التي لم تشهد الساحة العربية مثلها حتى في عهود الاستبداد. تكمن المشكلة في عدم وجود (واستحالة إنشاء) أحزاب إسلامية مختلطة من مذاهب مختلفة. لا على أساس ديني، ولا على أساس سياسي. فالأحزاب السياسية الإسلامية مُقفلة على الآخر المختلف مذهبيا. ما يعني ان الاعتبارات الدينية لا تُخلي مكانا، ولو من حيث الشكل، للاعتبارات السياسية مهما علا صوت الداعين الى الوحدة الإسلامية. إن تعهد الحركات الإسلامية التي فازت في الانتخابات العمل من أجل إقامة الدولة المدنية ليس ناجما عن قناعة راسخة لدى هذه الحركات، بقدر ما هو نتيجة ضغط خارجي. فماذا لو انتفى هذا الضغط بفعل متغيرات في سياسة الغرب، او نتيجة تحولات جذرية على أرضه كوصول اليمين المتطرف الى السلطة فيه! هل يبقى في هذه الحالة وزن لأي إسلام معتدل في أي مكان من العالم؟ ان أي حل جذري لإشكالية التداخل بين الديني والسياسي في المجتمعات العربية، عبر الفصل الكامل بينهما، يفرض على الحركات الإسلامية ان تتحول الى أحزاب سياسية مدنية بالتساوي مع سائر الأحزاب. هذا التطور يحمل في طياته معاني ديمقراطية جوهرية، ويوفر أفضل صيغة لفصل الدين عن الدولة في العالم العربي. في حين يدخل الالتزام العقائدي بالواجبات الدينية في باب الحريات الشخصية وحرية المعتقد والنشاط الاجتماعي الدعوي في الأماكن المخصصة لذلك. وهي حقوق فردية وجماعية تصونها الدولة.
ان الوقائع تتحدث عن نفسها. فليس من مصلحة الشعوب العربية وهي تدخل متأخرة الى عصر الديمقراطية أن تدوس على قشرة موز التعصّب الديني. وليس من مصلحتها أن يشعر المسيحيون العرب والأقليات الدينية الأخرى والعلمانيون في كل الطوائف ان عصر الاستبداد كان أرحم من عصر الثورات.
لقد كسر العرب قيودهم السياسية والنفسية عبر ثورات أعادت إليهم حرياتهم الأولية كبشر. لكنها لم تهدم بعد الركائز المادية التي قامت عليها دولة الاستبداد. فهذه الركائز ما زالت تملك امتدادات داخلية وخارجية متشابكة مع أنظمة الغرب الرأسمالي. وهي بحاجة الى تفكيك وإعادة تركيب بواسطة قوى اجتماعية قادرة على بلورة وإطلاق مشروع جديد للدولة ينسجم مرحليا مع المعايير الإنسانية العالمية، وليس مع معايير النيوليبرالية المتوحشة، بانتظار مرحلة أعلى من التقدم الإنساني.
كاتب وأكاديمي ـ لبنان





La décision prématurée sur les gaz non-conventionnels
